الأحد، 5 مايو 2013

حول الاحتفال بشم النسيم

الاحتفال بشم النسيم

.....
شم النسيم كان عيدًا فرعونيًا قوميًا يتصل بالزارعة ، وكان من عاداتهم فيه الاستيقاظ مبكرين , والذهاب إلى النيل للشرب منه وحمل مائه لغسل أراضي بيوتهم التي يزينون جدرانها بالزهور . وكانوا يذهبون إلى الحدائق للنزهة ، ويأكلون خضراً كالملوخية والملانة والخس ، ويتناولون الأسماك المملحة وكانو يشمون البصل ، ويعلقونه على منازلهم وحول أعناقهم للتبرك .
ثم جاءته مسحة دينية، وصار مرتبطًا بالصوم الكبير وبعيد الفصح أو القيامة عند المسيحيين ، حيث حدد له وقت معين قائم على اعتبار التقويم الشمسي والتقويم القمري معًا، ذلك أن الاعتدال الربيعي مرتبط بالتقويم الشمسي، والبدر مرتبط بالتقويم القمري، وينهما اختلاف كما هو معروف، وكان هذا سببًا في اختلاف موعده من عام لآخر .
وعندما وضع الأقباط تاريخهم وضعوه من يوم 29 من أغسطس سنة 284م الذي استشهد فيه كثيرون أيام ’’دقلديانوس‘‘ جعلوه قائمًا على الحساب اليولياني الشمسي، لكن ربطوه دينيًا بالتقويم القمري، وقد بني على قاعدة وضعها الفلكي ’’متيون‘‘ في القرن الخامس قبل الميلاد، وهو أن كل 19 سنة شمسية تعادل 235 شهرًا قمريًا، واستخدم الأقباط هذه القاعدة منذ القرن الثالث الميلادي. وقد وضع قواعد تقويمهم المعمول به إلى الآن البطريرك ديمتريوس الكرام، وساعده في ذلك الفلكي المصري بطليموس .
وبهذا يحدد عيد القيامة ’’الذي يعقبه شم النسيم‘‘ بأنه الأحد التالي للقمر الكامل ’’البدر‘‘ الذي يلي الاعتدال الربيعي مباشرة .
وقد أخذ الغربيون الحساب القائم على استخدام متوسط الشهر القمري لحساب ظهور القمر الجديد وأوجهه لمئات السنين ’’وهو المسمى بحساب الألقطي‘‘ وطبقوه على التقويم الروماني اليولياني، فاتفقت الأعياد المسيحية عند جميع المسيحيين كما كان يحددها التقويم القبطي، واستمر ذلك حتى سنة 1582م حين ضبط الغربيون تقويمهم بالتعديل الجريجوري .
ومن هنا اختلف موعد الاحتفال بعيد القيامة وشم النسيم .
.....

ما حكم احتفال المسلمين به؟

لا شك أن التمتع بمباهج الحياة من أكل وشرب وتنزه أمر مباح ما دام في الإطار المشروع، الذي لا ترتكب فيه معصية ولا تنتهك حرمة ولا ينبعث من عقيدة فاسدة. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [سورة المائدة: 87] وقال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ .....} [سورة الأعراف: 32] .
لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين أو موسم خاص لا يجوز في غيره، وهل لا يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات والمشروبات، أو بظواهر خاصة ؟
هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه. إن الإسلام يريد من المسلم أن يكون في تصرفه على وعي صحيح وبُعد نظر، لا يندفع مع التيار فيسير حين يسير ويميل حيث يميل، بل لا بد أن تكون له شخصية مستقبلة فاهمة، حريصة على الخير بعيدة عن الشر والانزلاق إليه، وعن التقليد الأعمى، لا ينبغي أن يكون كما قال الحديث ’’إمعة‘‘ يقول: إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن يجب أن يوطن نفسه على أن يحسن إن أحسنوا، وألا يسئ إن أساءوا، وذلك حفاظًا على كرامته واستقلال شخصيته، غير مبال من هذا النوع فقال ’’لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه‘‘ رواه البخاري ومسلم .
فلماذا نحرص على شم النسيم في هذا اليوم بعينه والنسيم موجود في كل يوم؟ إنه لا يعدو أن يكون يومًا عاديًا من أيام الله حكمه كحكم سائرها، بل إن فيه شائبة تحمل على اليقظة والتبصر والحذر، وهي ارتباطه بعقائد لا يقرها الدين، حيث كان الزعم أن المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد الموت .
ولماذا نحرص على طعام بعينه في هذا اليوم، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد غير صحيحة، مع أن الحلال كثير وهو موجود في كل وقت، وقد يكون في هذا اليوم أردأ منه في غيره أو أغلى ثمنًا.
إن هذا الحرص يبرر لنا أن ننصح بعدم المشاركة في الاحتفال به مع مراعاة أن المجاملة على حساب الدين والخلق والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ولا عقل سليم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ’’من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس‘‘ رواه الترمذي ورواه بمعناه ابن حبان في صحيحه .
.....
والله أعلم
.....
عن فضيلة الشيخ عطية صقر
رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا
.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق